وكانَ يَنمو ويَتقوَّى بالروحِ مُمتلِئاً حكمةً.

 وكانتْ نِعمةُ اللهِ علَيهِ.

 

روح الرب عليّ لأبشر...

 

العدد 6 سنة أولى                          10 أيار 2007

إعداد: ناصر شقور 

المناولة الاحتفالية... لماذا؟

 

في الكنائس الشرقية الكاثوليكية تتم في هذه الفترة المناولة الاحتفالية. في حين أنه في الكنيسة الغربية اللاتينية تقام رتبة المناولة الأولى. ما الفرق بين الرتبتين؟ ماذا يتم بالمناولة الاحتفالية؟ ما هدفهما؟ وهل من ضرورة للاستمرار بها؟

 

مراجعة تاريخية:

تعود جذور هذه الرتب إلى الكنيسة الأولى، وهي مرتبطة برتبة الانضمام إلى جسد المسيح - إلى رتبة المعمودية. لقد قامت الكنيسة  منذ عهد الرسل بتعميد الكبار والصغار، فبولس الرسول يقول إنّه عمّد اسطفانا وكل" أهل بيته" (1 كو 1: 16). وكذلك يروي سفر أعمال الرسل عن ليدية بيّاعة الأرجوان أنّها "اعتمدت هي وأهل بيتها" (أع 16: 15)، وعن سجّان مدينة فيليبّي أنّه بعد أن بشّره بولس وسيلا "بكلمة الرب هو وجميع من في بيته، أخذهما في تلك الساعة من الليل، وغسل جراحهـا، واعتمد من فوره هو وذووه أجمعون" (أع 16: 32- 33)..

إن رتبة المعمودية تُدخِل المسيحي الى الكنيسةَ، جسد المسيح. والكنيسة هي "واحدة، جامعة، مقدّسة، رسوليّة". يتم التعميد "باسم الآب والابن والروح القدس" والإيمان الصحيح بالثالوث الأقدس.

تشمل الرتبة على  خمسة أقسام: إعلان الإيمان، وتقديس الماء، والمسح بالزيت، والعماد، ولبس الثوب الجديد. بعد العماد بالماء تقام رتبة إضافية تارة بوضع اليد وتارة بالمسح بزيت خاص ممزوج بعطور (يدعى باليونانيّة ميروناً)، وفي معظم الأحيان على الاثنين معاً. بهذه الرتبة يتم  منح سر التثبيت او الميرون. لقد كانت الكنيسة تمنح سر المعمودية  يوم سبت النور، ثم تتم رتبة الهجمة،  أي دخول المعمدين الجدد إلى الكنيسة وإعلان القيامة، ثم الاحتفال بالمناولة الأولى أي قداس الفصح .

هكذا كان سرّ التثبيت في الكنيسة الغربيّة، كما في الكنيسة الشرقيّة، مندمجاً في رتبة واحدة مع المعمودية، وخادم السر هو الأسقف. تمّ الفصل بين الرتبتين تدريجياً في الكنيسة الغربية ابتداءً من القرن الرابع. أمّا سبب هذا الفصل فهو امتداد الكنيسة وكثرة العمادات، ولا سيّما عمادات الأطفال التي زادت بسبب كثرة العائلات المسيحية، وتكوّن الرعايا المتعدّدة في الأبرشيّة الواحدة. ففي الشرق حافظت الكنيسة على وحدة السرَّين، إلاَّ أنّها أعطت الكهنة سلطة منح الميرون حالاً بعد المعمودية، على أن يستعملوا الميرون الذي يكرّسه البطريرك أو الأسقف. أمّا في الغرب ففصلت الكنيسة بين السرَّين: فسرّ المعمودية يمنحه الكاهن، وسرّ التثبيت يمنحه الأسقف، على قدر ما يتيسّر له زيارة رعاياه، في رتبة خاصة منفصلة عن المعمودية؛ سرّ المعمودية يُمنَح للأطفال، فيما سرّ التثبيت يُمنَح للأولاد متى بلغوا سنّ الرشد.وبعد التثبيت مباشرة تتم المناولة الأولى.

كان يسبق معمودية الكبار فترة تثقيف وإعداد المزمعين أن يعتمدوا. فقد أعطى القدّيس كيرلّس الأورشليمي، سنة 384م، المواعظ للموعوظين وهي  من أروع كتب التعليم المسيحي. وكذلك القديس يوحنا الذهبي الفم وكثيرون من أباء الكنيسة في الشرق والغرب.

أما المناولة الاحتفالية في الكنائس الشرقية فهي احتفال بتجديد مفاعيل المعمودية أي إعلان الإيمان من قبل الأولاد متى بلغوا سنّ الرشد. لفهم مضامين هذا الاحتفال سنراجع ما يتم به. (سأستعمل الرتبة كما تمت في رعية حيفا للروم الملكيين الكاثوليك في الفترة التي ساهمتُ فيها بإعداد الأولاد للمناولة الاحتفالية).

ملاحظة: كتبت هذه المقالة بصيغة المذكر لكن أقصد الجنسين معاً مثلاً عندما أذكر "الولد" أقصد أيضاً "البنت" أو أذكر "العراب" للولد أقصد أيضاً "العرابة" للبنت.    

رتبة تجديد المعموديّة للمناولة الإحتفاليّة

 

ا : الدّخول وإخلاء طرف العرّاب (الإشبين)

ك: تبارك إلهنا كلَّ حين, الآن وكلّ أوان وإلى دهر الداهرين

ش :  آمين

 ( يدخل المحتفلون إلى الكنيسة كل مع عرّابه , واضعاً كل عرّاب يده اليمنى على كتف المحتفِل والعرابة يدها على كتف المحتفلة ، ويقفون في المدخل الرئيسي  قرب جرن المعمودية)

ك: إلى الربِّ نطلب

ش: يا ربّ ارحم

العرّاب : ( صلاة إخلاء طرف العرّاب )

  إعلَمْ يا ابني، أنّكَ لمّا كُنتَ طفلاً، وكنتَ عبداً للشيطان. أرادَ والِداكَ أنْ يُعتِقاكَ منه بالمعموديةِ المقدّسة. وسألا مَسكَنتي أنْ أضمنَكَ عِندَ كاهن ِ الله، واستَـَلمتـُكَ منهُ، وجحدْتُ الشيطانَ عنكَ، وأنكرتـُهُ هو وأفعالهُ، واعترَفتُ عنكَ بالسيّدِ المسيح لهُ المجد، وجعلتـُكَ تتناولُ جسَدَهُ ودمَهُ الأقدَسَين، وصِرْتَ هَيكلا ً للروح ِ القدس.

 

    وأنتَ الآنَ قائِمٌ أمامَ هيْكَلِ الله الذي تَسَلّمتـُكَ منهُ، واعلمْ أنّ من جَحَدَ الشيطانَ وآمنَ بالمسيح. وجَبَ عليهِ تَرْكَ أعمالِ الشيطانِ التي هي الكبرياءِ والبُغضِ والحقدِ والقتلِ والزنا،  والكَذِبِ والافتراء والسبِّ واللعنِ والتكاسُلِ في اكتِسابِ الفضائِلِ والعُلومِ،  والتأخيرِ في الذَّهابِ إلى كنيسةِ الله لِسَماعِ أقوالَهُ المحْيِيَةِ، لأنَّ أفعالَ الشيطانِ تُبْعِدُنا عن الله مخَلِّصِنا، وحيثُ أنّكَ قد آمنتَ بالمسيح ِ فيجِبُ عليكَ بالمحبّةِ والتواضُعِ والطّهارَةِ التي بدونِها لنْ يُعايـِنُ أحدٌ الرّب.

 

    من هُنا تـَسَلّمتُكَ, وهنا الآنَ أُسَلِّمُكَ لِنفسِكَ، ولم يَعُد الله يُطالِبَني بشيء من جِهَتِكَ، لأنـّكَ قد تَعَقـّلْتَ وتَعَلَمتَ الخيرَ منَ الشّرِ والجيِّدِ منَ الرّديءِ.  وسَلامُ ربِّنا يسوع ِ المسيح ِ معكَ ويُثَبّتُ في قلبـِكَ الإيمانَ المستَقيمَ إلى النفَسِ الأخير .آمين

(يجلس المحتفلون في أماكنهم الخاصة )

ب : تجديد المعموديّة

ك:  هل تَـرفضون الشيطانَ وأعمالَهُ وملائكَتـَهُ وعباداتِه وأباطيلَه كلَّها؟

المحتفلون : نَعَم نَرفُضُ الشيطانَ وأعْمالَهُ ومَلائكَتـَهُ وَعِباداتِهِ وأباطيلَهُ كُـلَّها.

ك : هل رفضتـُم الشيطان ؟

المحتفلون : نَعَم قد رَفضْنا الشيطان .

ك : هل توافِقون المسيح ؟

المحتفلون : نَعَم نُـوافِقُ المسيح

ك : هل وافقتم المسيح ؟

المحتفلون : نَعَم قد وافَقْنا المسيح .

ك : هل تؤمنون به ؟

المحتفلون : نَعَم نؤمِن بهِ إنّهُ  مَلِكٌ وإله .

ك: فاسجدوا له أيضاً .

المحتفلون : نسجد للآبِ والابنِ والروح ِ القدس، الثّالوثِ الواحِدِ في الجَوْهَرِ وغيرِ المُنْفَصِل.

ك: باسمِ يسوع أقبلُ وعودَكم هذه وأبارِكُ مقاصدَكم الصالحة.

 

( ثم القداس الإلهي. يخدم المحتفلون القداس فيحملون الشموع في الدورات ويقرأ واحد منهم الرسائل )

شرح الرتبة:

أولاً:الرتبة قائمة بذاتها: إن الرتبة قائمة بذاتها أي ليست من الإفخارستيا  تبدأ بـ "تبارك إلهنا..."  وهي افتتاحية الصلوات الطقسية التي لا تمنح بها الأسرار مثل صلاة السحر والغروب ويا رب القوات... وبذلك تعلن الكنيسة أن ما يتم هنا ليس منحاً لسر ما. في حين أن الأسرار تبدأ بـ " مباركة مملكة الآب والإبن..." مثل القداس الإلهي... نفس الأمر يتم في سر الزواج القسم الأول منه هو رتبة الخطبة الكنسية فيبدأ بـ "تبارك إلهنا..." أما القسم الثاني من الرتبة فهي منح سر الزواج فيبدأ بـ " مباركة مملكة الآب والإبن..."

الرتبة مكوّنة من قسمين الأول إخلاء طرف العرّاب (الإشبين) والثاني تجديد مواعيد المعمودية.

 القسم الأول إخلاء طرف العرّاب

ثانياً: يُدخل العرابُ المحتفل إلى الكنيسة، واضعاً يده اليمنى على كتف المحتفِل. بهذا الدخول ووضع اليد يُعبّر العرّاب على أنه قد تولى أمر الولد وأحسن تدبيره، وأن الولد يطيع مشيئة الله بطاعته للعراب. وهذه الحركة تتم في الرسامات الكهنوتية.

ثالثاً : يقفون أمام جرن المعمودية.  كأني بالعرّاب يشهد على أمر مهم أمام جرن المعمودية. لذلك يقف هناك. وما يريد إعلانه هو في الصلاة أو التوجيه الذي يقدمه العرّاب للولد. هذا التوجيه يحتوي على ثلاث أقسام

أ     يذكر العرّاب للولد ما جرى أثناء المعمودية وعلاقته مع الولد : " اعلم يا بني"  أن والديك أرادا مصلحتك "بإعتاقك من عبودية الشيطان..  فطلبا مني أنْ أضمنَكَ عِندَ كاهن الله".  لقد قمتُ بواجبي في تلك اللحظة "فاستلمتك من الكاهن وجحدْتُ الشيطانَ عنكَ.. واعترَفتُ عنكَ بالسيّدِ المسيح.. جعلتـُكَ تتناولُ جسَدَهُ ودمَهُ". ما أعظم ما يقوم به العرّاب لقد قام أثناء المعمودية بعمل كبير جداً.

ب :    إن مهمة العرّاب لم تنته عند انتهاء رتبة المعمودية،  بل استمرت فترة طويلة من التعليم والتدريب الروحي، ومرافقة المعمَّد حتى وصوله سن البلوغ، فيعود معه إلى الكنيسة إلى جرن المعمودية " وأنتَ الآنَ قائِمٌ أمامَ هيْكَلِ الله الذي تَسَلّمتـُكَ منهُ" ، لقد أصبحتَ بالغاً وقادراً على تمييز الخير من الشر. نتيجة لهذه المعرفة والبلوغ هنالك مسؤولية،  "واعلمْ أنّ مَن جَحَدَ الشيطانَ وآمنَ بالمسيح. وجَبَ عليهِ..". من حيث أنه رفض الشيطان يعني  أنه يرفض أعماله والتصرفات التي تقود اليه. ومن حيث أنه "آمنَ بالمسيح". وجَبَ عليهِ أن يسلك كأبناء النور "ويلتزم بالمحبّةِ والتواضُعِ والطّهارَةِ".

ج.:     بما أن الولد قد أصبح بالغاً، يُعلن العرّاب "من هُنا تـَسَلّمتُكَ، وهنا الآنَ أُسَلِّمُكَ لِنفسِكَ"  كأني به يقول مع بولس الرسول  "لقد أبليتُ البلاء الحسن  وأتممت شوطي" . هكذا يطلقه إنسانا واعياً مسئولا في الكنيسة.

القسم الثاني من الرتبة وهو تجديد مواعيد المعمودية (وهو الجزء الأول من رتبة المعمودية أي إعلان الإيمان)

رابعاً : نتيجة هذا الواقع  يجلس العرّاب مكانه، كأنه يقول مع والدي الأعمى الذي شفاه يسوع "إنه بالغ فاسألوه" . فيسأله الكاهن "هل ترفض الشيطان" الآن؟  فيجيب المحتفل البالغ بنفسه. ويسأله الكاهن أيضاً "هل تقبل المسيح؟" فيُعلن على الملأ أنه يقبل المسيح ويؤمن به أنه ملك وإله ويسجد له.

 

خامساً: يقوم المحتفل بخدمة القداس وقراءة الرسائل. هنا يعلن المحتفل بحمله الشمعة في الدورات في القداس، أن نور المسيح سينير من خلاله للعالم. ويعلن بمسيرته، أنه يوحنا المعمدان الجديد الذي يُعد طريق الرب. أما في قرأته للرسائل، فيعلن المحتفل كالمسيح، بأنه عليه أن يكون "فيما هو لأبيه"  ينبغي له أن يكون في الكنيسة ويناقش العلماء ويسمع منهم ويسمعوا رأيه. تجري في بعض الرعايا رتبة تسلّم الإنجيل وهي بذات المعنى أن المعمَّد طفلاً قد نضج ويحمل صليبه ويتبع المسيح ويعلن بشارة المسيح للعالم. هذه هي الوديعة التي تسلمها وسيؤدي عليها حساباً.

 الرتبة هي رتبة إعلان  النضوج وتحمل المسؤولية والمشقات والعمل في بيت الرب. لذلك فتوجه الأهل يجب أن يتغير تجاه ابنهم عليهم أخذ رأيه ومشاركته في همومهم " أنا وأبوك قلقين..".  الاحتفالات مهمة وجميلة. والوجبات الطيبة لابد منها، ولكن أليس من المفروض أن نحترم دوره الجديد، ونطلب منه  أن يلقي ولو كلمة واحدة في هذه اللقاءات لأنه المحتفى بنضوجه؟ فليُظهر أمام الكل أنه لا يستحي بالمسيح، وأن الأعمال الكثيرة التي  يُقام  بها مهمة، أما الجوهرة التي في الحقل فهي أنه قد أصبح لدينا إنسان يسعى إلى ملء قامة المسيح. فليصلِ أمام الجميع أو يُبارك الطعام أو أقله يشكر من غمره بالهدايا.

 إن هذه الرتبة بدأت بالدخول، هو دخول إلى بيت، إلى رعية، إلى كنيسة فيصبح من أهل البيت. لذلك عليه أن يسير بحسب قوانين كنيسته وتقليدها. من هنا فإن التحضير للمناولة الاحتفالية لا يتم في المدرسة مكان المعلومات العامة عن الأشياء، حيث يختار من المواضيع ما يشاء على هواه أو ما يجذبه من أعمال وتصرف. أما الإرشاد في الكنيسة فهو مرافقة للولد في نموه وإعطائه حياة ليعيشها. لذا فالتحضير هو تحضير طقسي بحسب الطقس المنتمي إليه. يمكنه الصلاة بكل التراتيل، أما في كنيسته فليرتل بحسب تراثه المقدس. ويحمل نور المسيح للعالم .

 أخيراً، كادت هذه الرتبة أن تخرج كلياً عن بعدها الصحيح من جميع الذين يقومون بها. لكن هذا لا يعني إلغاءها بل أن تعود وتحيا، لتتم المناولة الاحتفالية بالروح الحق.

 مبروك لأحبائنا وإخوتنا الناضجين الجدد، الذين كما في الهجمة يبشرون الجميع بالفرح بترتيل. "المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت ووهب الحياة للذين في القبور".