|
وكانَ يَنمو ويَتقوَّى بالروحِ مُمتلِئاً حكمةً. وكانتْ نِعمةُ اللهِ علَيهِ.
روح الرب عليّ لأبشر...
العدد 8 سنة أولى 26 تموز 2007 إعداد: ناصر شقور المسيحيّة في غزة إن غزة من أعرق مدن العالم، أنشأها الكنعانيون في الألف الثالث قبل الميلاد. كانت غزة رأس جسر يصل أرض مصر الفرعونية مع أرض كنعان، ومنها إلى أسيا الصغرى أو إلى بلاد الرافدين. لذلك كانت مدينة غزة محط أنظار الغزاة والمستعمرين. لقد ذكرت غزة والفلسطينيون كثيراً في العهد القديم. إلا أن رحلتنا التارخية، في هذا العدد والعدد التالي، هي مع المسيحية في غزة منذ عهد المسيح إلى اليوم.
"جميزة صالحة" والتقليد الشفهي والكتابي v غزة في فترة العهد الجديد هنالك شجرة جميز تقع إلى الشمال من مدينة غزة، وبالتحديد شمال قلعتها بنحو خمسة كيلومترات. لكن لماذا يدعونها صالحة؟ لأنها مرتبطة بشخص صالح؟ ومن هو هذا الصالح؟ إن المسيح عندما نادوه أيها المعلم الصالح قال لا صالح إلا الله. فالصالح هو المسيح نفسه. لكن ما علاقة المسيح بهذه الجميزة؟ إن إنجيل متى يذكر أنه بعد عودة المجوس قام هيرودس وقتل أطفال بيت لحم. إلا أن يسوع قد نجا من هذه المجزرة لأن الملاك قد ظهر للقديس يوسف في الحلم وقال له: قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر. بعد وفاة هيرودس رجع القديس يوسف ويسوع والقديسة العذراء من مصر الى الناصرة . حسب التقليد الكنسي الشفهي فإنهم في عودتهم سلكوا الطريق الرسمي الذي يصل بين مصر وفلسطين ويستمر حتى سوريا ويُعرف بـ " طريق البحر" Via Maric. وفي منطقة غزة ،استراحت العائلة المقدسة عند القيلولة تحت شجرة جميز شمال مدينة غزة، تعرف الجميزة حتى اليوم باسم " جميزة صالحة" لأنها ظللت المسيح.
القديس فيلمون أول أسقف على غزة: هنالك تقليد يقول أن القديس فيلمون، الذي أرسل له الرسول بولس رسالته المعروفة "الرسالة إلى فيلمون" في العهد الجديد، كان أول أسقف على غزة. إن هذا التقليد غير مثبت. إلا أنه يدلّ على أن بعض سكان غزة قد اعتنقوا المسيحية منذ العهد الرسولي، لذلك أصبح لديهم أسقف.
علاقة الشماس فيلبس بغزة :
غزة: ثلاثة قرون من الإضطهادات
مدينة غزة – حُرق أسقف حياً وقُذف بتسعة وعشرين مسيحياً للوحوش لقد تم القبض على الأسقف سلوانس( 285م) وهو أول أسقف ذكره التاريخ لمدينة غزة وأحرِق حياً عام 310م، في عهد الأمبراطور غلاريوس، وقد استشهد معه تسعة وعشرون مسيحياً، من بينهم تيموثاوس وزوجته، واسكندر وفلانتينا وآخرون قذف بهم للوحوش بينهم أغابيوس وتقلا. في هذه الفترة كان عدد المسيحيين ضئيلاً جداً في كل فلسطين، وكذلك في منطقة غزة حيث عانوا الأمرين من أهل غزة الوثنيين. وقد وصف يوسابيوس القيصري في كتابه "شهداء فلسطين" ما حدث من اضطهادات لمسيحيي بلادنا. وفي الفصل الثالث 1-5 ذكر الاضطهادات التي جرت في غزة :" وفي السنة الثانية ( لحكم الأمبراطور دقلديانس سنة 304م) اشتد الاضطهاد الموجه إلينا. وفي ذلك الوقت كان أوربانوس والياً لتلك المنطقة، ووصلتها أوامر من الإمبراطور تأمر بأن جميع الشعب يجب أن يذبحوا للأوثان في الحال.. وفي غزة – إحدى مدن فلسطين – عانى تيموثاوس تعذيبات لا تحصى، ثم عرض لنار بطيئة ضعيفة. وإذ قدّم بصبره في كل آلامه دليلاً قوياً على التقوى الحقيقية من نحو الله حمل إكليل النصر الذي يحمله أبطال الإيمان. ... ولما ازداد انتشار هذه الأنباء في كل مكان تقدّم ستة من الشبان وهم... وشخص باسم الإسكندر من غزة، أوثقت أيدي الجميع... واعترفوا بأنهم مسيحيون، وبترحيبهم بكل الأهوال أظهروا أن الذين يفتخرون بديانة إله الكون لا يخورون أمام هجمات الوحوش... جميع هؤلاء قطعت رؤوسهم في يوم واحد هو اليوم التاسع قبل بداية أبريل" هكذا فإن مسيحيي بلادنا بدل أن يلعنوا الشرق والغرب ومصيرهم البائس ويرحلوا، حملوا نيرهم وقبلوا أن يضطهدوا لا بل أن يستشهدوا، فتغلبوا على الشر بنور المسيح وقيمه، وتحول يوم ذبحهم وقتلهم إلى يوم نيلهم إكليل الشرف من السماء. وكانت الكنيسة خاصة القريبة منهم، تساندهم في تلك اللحظات الصعبة.
غزة والحياة النسكية القديس هيلاريون: شاب من غزة في الخامسة عشرة من عمره يتحدى الحياة الدنيا، فيؤسس الحياة النسكية في فلسطين ومنها تنطلق إلى سوريا.
كان طعامه اليومي عبارة عن خمسة عشر تينة يأكلها بعد غروب الشمس. ثم قصد إلى التبرك بزيارة الأراضي المقدسة. ولما انتهى من تجواله في الأراضي التي تقدست بحياة رب المجد فيها. وقد نجم عن تجواله هذا أن أنشأ بعض الأديرة لأن عددًا عديدًا من الشباب رأى فيه نموذجًا جذابًا للقداسة والمحبة والتواضع التي غرسها فيه الأنبا أنطونيوس، فسارعوا إليه طالبين التلمذة له. وحين رأى الراغبين في الالتفاف حوله انهمرت دموعه حنينًا إلى الوحدة في كوخه الحقير حيث لم يكن له أنيس غير فاديه الحبيب، ودفعه هذا الحنين إلى الرغبة في العودة إلى أب الرهبان، ولكن ملاك الرب أعلمه بأنه قد انتقل إلى الحياة الأبدية، ومع ذلك فقد قرر مغادرة المكان الذي هو فيه إلى مكان يكون فيه مجهولاً. إلى برية القديس العظيم انطونيوس على أن أربعين من الشباب صحبوه، وقضى بها هو واخوته بضعة أسابيع استعاد فيها ذكريات حياته مع الناسك الكبير وحدثهم عنها. وفي الواحة الداخلة تركهم ولم يصطحب غير تلميذه الملتصق به، واتجه شمالاً إلى الواحة الداخلة مع قافلة أوصلته إلى الواحة الكبرى. وترك القافلة كما ترك تلميذه أيضًا وسار أيامًا طويلة مشيًا على قدميه حتى وصلها. ووجد بها عددًا غير قليل من المصريين وعلى رأسهم أساقفة المدن الخمس منفيين من أجل العقيدة الأرثوذكسية، وبينما هو هناك وصل إليه واحد من أبنائه الروحيين الذين تركهم في الأراضي المقدسة، وظن هيلاريون أنه يستطيع الهروب منه، ولكن الشاب الذي قطع المسافات الطويلة للوصول إليه قرر مرافقته، واتفق كلاهما على الالتجاء إلى إحدى الجزر. وقضيا شهرًا وهما يمشيان وأخيرًا وقعت عيونهما على زرقة البحر المتوسط ووجدا مركبًا ولكن ربانها قال بأنه لا يستطيع أن يأخذ غير شخصٍ واحدٍ فترك هيلاريون ابنه الروحي وركب دون أن يدري إلى أية جهة سيسافر. وبعد أيام رست السفينة عند طرف جزيرة قبرص واستقر القديس في مكان على بعد ميلين من بافوس Paphos، وأحس بفرح لا يوصف حين وطأت قدماه أرضًا لا يعرفه فيها أحد. لجأ إلى غابة خارج المدينة، وكان يجمع الأغصان الجافة ويبيعها ليأكل من ثمنها، وظل بضعة شهور آمنًا مطمئنًا. لكن بعد فقد القديس خلوته إذ أتى إليه كل مريض وكل سقيم. وحين كانوا يقدمون له الهبات كان يرفضها بإصرار قائلاً: "لقد وهبني اللَّه مجانًا، وما عليَّ إلا أن أعمل مثله". بعد شهور تسلل في جناح الظلام وسار وسط الجبال بين الطرق المتعرجة الصاعدة إلى أن عثر على مغارة طبيعية داخل صخرة فانزوى فيها. ومن ركنه الصخري المنعزل كان يرى البحر أمامه ممتدًا إلى الأفق وعن يمينه الكروم الزاهرة الجميلة وعن يساره الجبال بقممها الشاهقة.
أما مكان الدير فغير محدد نهائياً. إلا أن المسجد الأخضر، في دير البلح، مقام على دير قديم، إذ وجدت فيه بعض النقوش اليونانية وكذلك رسومات للصليب مرسومة على حجر غرانيتي. فهل هذا هو موقع أول دير في فلسطين دير القديس هيلاريون؟ أم هو دير آخر على أسم القديس جوارجيوس (الخضر) فسمي المسجد على إسمه المسجد الأخضر؟ الجواب يحتاج لدراسة أرخيولوجية. لقد كان للقديس هيلاريون العديد من التلاميذ الذين أصبحوا قديسين أشهرهم القديس أوريليوس من مينا "أنثيدون الغزي" شمال ميوما وهو "الإبلخية" اليوم. القديس الافيون من قرية "أزالية" وهي "النزلة" حالياً والقديس سوزومين من "بيت لاهية" هكذا يكون القديس هيلاريون أول من أدخل الحياة النسكية الرهبانية ليس على فلسطين فقط بل وجميع البلاد السورية سنة 310م ثم نقلت بعد ذلك إلى العراق.
غزة في العهد البيزنطي v أساقفة من غزة القديس بطرس الرهاوي: في أواسط القرن الثالث تم تعيين القديس بطرس الرهاوي أسقفاً على غزة، ولد القديس بمدينة الرها، نظراً لميله للتنسك والعبادة ترك بلاط الملك صاودوسيوس الصغير ليصير راهباً، ثم أصبح فيما بعد أسقفاً على غزة وما حولها. لكن نتيجة لزهده وعدم ميله للحياة الدنيا فقد قضى آخر حياته في وادي الأردن متنسكاً حيث توفي هناك. الأسقف أسكليبياس: تولى الأسقفية في غزة اسكلبياس وذلك بعد القديس بطرس الرهاوي. وقد حضر هذا الأسقف الكبير مجمع نيقيا - المجمع المسكوني الأول سنة 325 - الجدير بالذكر أن الأسقف اسكلبياس قد بنى كنيسة في غزة لعلها أول كنيسة شيدت داخل المدينة.
الأسقف أرينيون: لقد حضر المجمع الأنطاكي سنة 363م، كما وقام ببناء كنيسة على اسم القديسة "إيريني " أي السلام وذلك في المكان الذي وافق فيه الإسكندر المقدوني على إيقاف عمليات القتل والتدمير داخل المدينة . كما بنا "دار الأسقفية"
الأسقف القديس بريفيريوس شفيع مدينة غزة: ولد القديس بريفيريوس في تسالونيكي، تنسك في مصر ثم اتجه إلى القدس ،حيث وزّع هناك حصته من تركة أبيه على الفقراء والمحتاجين. واعتاش من صناعة السكافين يغسل الجلود والنعال ويخيطها. وكان برفيريوس متضلعاً في المعرفة والحكمة يناظر اليهود والهراطقة واليونانيين. بعد وفاة " أيرينيون" أسقف غزة، تم تعيين بريفيريوس أسقفاً عليها. ومع دخوله مدينة غزة أنحبس المطر وأصاب المدينة قحط، فنسب الوثنيون ذلك إلى قدومه، فطلب القديس بريفيريوس إقامة الصلوات والصيام لأجل المطر، فانهمرت الأمطار بغزارة، مما دفع بالكثير من الوثنيين إلى الإيمان بدعوته واعتمدوا. رغم ذلك واصل سكان غزة الوثنيون التعرض للمسيحيين بالأذى. ثم حدثت بعد ذلك معجزة- إذ تعسرت امرأة غزية في الولادة، فالتجأ أهلها متوسلين للقديس بيريفريوس طالبين منه التدخل، فوضع الأسقف شرطاً لتدخله أن يخلى البيت من الأصنام التي كانت بداخله ففعلوا، فولدت المرأة ببركته مولوداً أسموه " برفيريوس" ، وتعمدت تلك المرأة وابنها وأهلها جميعاً مع ما يقارب المئتي شخص. إلا أن ذلك لم يوقف الإضطهادات فسافر إلى القسطنطينية وطلب من الإمبراطور إغلاق المعابد الوثنية في غزة، وقام ببناء كنيسة على أثار هيكل "مارنا"، وقد افتتحت يوم أحد الفصح سنة 407 وسُميت كنيسة " إفدوكسيانه" على اسم الأمبراطورة أفدوكسيا. وتوفي في 16 شباط سنة 420 ميلادية وتعييد له الكنيسة الجمعاء بهذا اليوم. وقد دفن في الكنيسة التي بناها والتي تحمل اليوم اسمه – كنيسة برفيريوس للروم الأرثوذكس، التي تُعرف كذلك باسم كنيسة المقبرة.
v غزة : مركز الخطباء لقد تحولت غزة إلى مركز للخطابة والفلسفة وذاع صيتها في الشرق وبخاصة مدرسة الخطابة المسيحية، حتى أن الكثير من طلاب أثينا اتوا إلى مدرسة غزة طلباً للعلم . وأن بلاد فارس كانت تستعير أساتذتها من معاهد غزة ومن علمائها الشاعر الغزي إينوس Enos: في نهاية القرن الخامس كان الشاعر إينوس أسقفاً على غزة وقد تعلم الفلسفة في الإسكندرية، وكانت له مؤلفات عدة في الشعر، وشرح بعض العقائد المسيحية. الشاعر الغزي تيموثاوس: كتب الكثير من الأشعار والمقالات في مجلدات أربعة بالإضافة لكتابي " التاريخ الطبيعي" و"الحيوانات ذات الأربع".
بروكوبيوس الغزي Procopious: هو أسقف غزة ومن مواليدها. درس دراسة عليا، وأحب الشعر والأدب، برع بوصف مدينة غزة. فوصف ساعة المدينة التي كانت من عجائب الدنيا بتطورها وندرتها، كما ووصف بأسلوب أدبي رفيع العديد من الرسومات والنقوش التي كانت تزين بنايات غزة . وقد اهتم بأمر المسيحية لقد اشتهر بركوبيوس بمناظراتة ومجادلاته في كثير من المدن مثل صور وأنطاكية وقيسارية والإسكندرية التي وصفها "إنها أم الدراسات الأدبية" وقد كوّن مكتبة عظيمة في غزة وجمع تفسيرات الآباء القديسين للأسفار المقدسة. كما واهتم بالتاريخ فألف كتاباً عن حروب جستنيانس ضد الدولة الفارسية الساسانية، كما اهتم بالدور الذي لعبته الإمارات العربية التي كانت في مناطق حدودية بين الدولة البيزنطية والفرس مثل الغساسنة وبني كندة وحمير، لذلك فإن كتاباته هي مصدر تاريخي يزودنا بمعلومات هامة عن المسيحيين العرب. v غزة: مركز للإزدهار المعماري
" كما ويصف الزخارف داخل الكنيسة" والكنيسة مزخرفة من الداخل بزخارف من الذهب والفضة والفسيفساء وفي الوسط أيقونة والدة الإله حاملة السيد، ويوجد مجموعة من القديسين على الجانب الآخر..." كما وأعاد الأسقف مرقيانس بناء كنيسة الرسل وأشاد كنيسة صغيرة خارج سور غزة هكذا رفع شأن غزة في مجال المعمار والأدب والشعر والتجارة وازدحمت شوارعها بالمثقفين والخطباء الذين أخذوا يلقون الخطب في المسارح ويتبارون في الشعر والأدب والفلسفة والدين وتظهر خريطة مادبا العديد من هذه الكنائس. يتبع .... |