عظة الكاهن لأحد الإبن الشاطر

                        الإبن الشاطر

 

ايها الأبناء الأحباء،

في هذا الأحد المبارك تذكر الكنيسة احد التوبة الذي هو على بعد تسعة اسابيع من الفصح المجيد، وفي هذا اليوم تقرأ الكنيسة انجيل الإبن الشاطر، او الأب الرحيم، فقد اعطت الكنيسة اسماء كثيرة لهذا الفصل من الإنجيل.

يذكر لنا الإنجيل مراحل التوبة التي يجب ان يمر بها كل مؤمن لينال موهبة الغفران عن الخطايا.

هذا الأب المحب الرحيم قسم امواله بين ولديه، فالإبن الأكبر بقي مع ابيه والأصغر أخذ ما له وغادر البيت الى بلد بعيد غير آبه بمشاعر ابيه ولا بما تركه خلفه من خيرات في بيت ابيه.

لم يخبرنا الإنجيل عن وضع الإبن الأكبر فهو في حضن الآب دائما وهو مع الآب، اما الأصغر فكانت عيشته في البداية هينة سهله فكان مسرافا ومبذرا الكثير من الأموال، لكن هذا الغنى الوقتي والزمني لم يدم طويلاً فقد افلس ولم يكن من يعطيه خبزا ليأكل، فأخذ في العوز كما يخبرنا الإنجيل.

جاع، عطش، رعى الخنازير، اشتهى طعام الخنازير، ما هذه التعاسة التي وصل اليها هذا الشاب وهو بعيد عن ابيه الحقيقي؟ أهذا حال كل واحد يبتعد عن الآب السماوي؟

وفي لحظة من الزمن، عاد الى نفسه ليرى ان كل ما فعله لا يساوي شيئا مما كان له عند ابيه، وعاد الى نفسه ليرى نفسه بأي حال صارت من العوز والجوع، فالذي يبعد عن الله تعالى يعيش هكذا في ضياع دائم لا يعوضه له اي شخص. وهذا الشاب بدأ بالتحدث الى نفسه اولاً، ثمّ خاطب اباه من بعيد وكأن ابيه يسمعه "أقوم وامضي الى ابي واقول له لست مستحقا..."، ومن هذه اللحظة بدأ الشاب بالإنقلاب الجذري وبالحياة الجديدة، ترك حالة الضياع وبدأ حالة الوجود.

عاد الى ابيه، وابوه لم ينتظر الى ان وصل الإبن وبدأ بالحديث، بل بادر هو اليه وقبّله والبسه الحلّة الجديدة والخاتم والحذاء وكأن الأب اعاد كل شيء فقده هذا الإبن في ضياعه. ويذبح له العجل المسمن، فالولائم كانت تقوم لذوي الشرف والمكانة الرفيعة، وكأن الأب اعاد المكانة التي كانت لإبنه قبل ضياعه.

في هذه الأجواء من الفرح والمرح بعودة الضال الى البيت يدخل الأخ الأكبر وتحدث الفوضى، فيرفض الدخول، ويرسل احد الخدام ليستفسر له عن سبب الهرج والمرج والفرح في بيت الأب، وبرفض الدخول ايضا، ويخرج الأب اليه يتوسله الدخول، ونلاحظ ان الأب يخرج مرتين لملاقات ابنائه، وهو يساوي بين الإثنين يعيد للأول كرامته ويعطي الآخر كل شيء "يا ابني انت معي كل حين وما هو لي هو لك..."، نحن دائما امام الله نطلب ونتضرع ونتوسل اليه وهو يجيبنا ما هو لي هو لك، لكننا لا نكتفي بما يقسمه لنا ونطمع بالأكثر.

هذا الإنجيل هو انجيل التوبة، الإبن التائب والذي بتوبته حصل على كل شيء، والإبن الآخر اظهر وجها آخر. ويسوع من خلال هذا المثل يخبرنا ان الله غفور ورحيم، محب ومتواضع القلب، يقبل التائب ويضمه الى بيته ويجعله سيدا في بيته.

ونحن على عتبة الصوم الكبير، فلنحاسب انفسنا اخوتي ونعود مجددا الى ابينا السماوي تاركين رذائل العالم وملقين انفسنا بالأحضان السماوية لنفوز بالملكوت الذي اعدّه لنا ابينا.

 

                                 آمين