معجزة الخمر في قانا الجليل
النص المقدس من إنجيل يوحنا
الفصل الثاني
1 وفي
اليوم الثالث كان عرس في قانا الجليل وكانت ام يسوع هناك.
ان اليوم الثالث قد ورد عشرات المرات في العهدين القديم والجديد. منها
ان يسوع قام من القبر في اليوم الثالث – لوقا 24 :7
وبقيامته كان فرح للمؤمنين. وكأن هذه الآية – المعجزة – وهي
الأولى التي صنعها يسوع تدل في الوقت نفسه على قيامته ايضا – فهي
البداية والنهاية – اذن في اليوم الثالث حين قام يسوع من القبر (فرحٌ)
وفي اليوم الثالث في قانا كان عرس. اما وان أم يسوع كانت هناك (يبدو ان
يوسف خطيب مريم لم يكن موجوداً في العرس، ربما انه توفي. وبالطبع لم
يكن موجودا حين صُلب يسوع) اي ان العذراء مريم كانت قد جاءت الى العرس
قبل يسوع. لأن العذراء ترمز الى العهد القديم الذي يدعو الى مجيء
المسيح بواسطة الأنبياء. وربما لأن هذا العرس كان لأحد اقاربها، او
لأناس تعرفهم حتما معرفة جيّدة، لأنها لم تكن تذهب لوحدها الى العرس.
ويظهر ايضا من الآية ان مريم العذراء كانت معروفة – بأم يسوع – وهكذا
نجد تشابها بين هذه الآية في قانا وبين صليب يسوع، إذ ان في الحالتين
كانت – ام يسوع هناك – يوحنا 19 :25. ونلاحظ ايضا ان العذراء ذهبت
اولاً الى العرس لوحدها. يشير الى ان المكان قريب. فقانا لا تبعد عن
الناصرة كثيرا حيث تسكن مريم. (راجع يوحنا 4 : 46-47).
2
ودُعي ايضا يسوع وتلاميذه الى العرس.
ان دعوة يسوع وتلاميذه الى العرس اتت بعد دعوة العذراء مريم، وكأن
العذراء هي التي طلبت من اصحاب العرس ان يدعوه وتلاميذه الى العرس لتتم
مشيئة الله التي كانت العذراء مريم تشعر بها في قلبها – إذ كانت تحفظ
كل شيء في قلبها – لوقا
2:51. فنرى الدور الكبير والشفاعة والقوة التي تقوم بها العذراء مريم
دائما من اجل جميع البشر، فهي المدعوة الأولى للفرح الإلهي. وهي ايضا
رمز العهد القديم التي دعت يسوع، وولدته للعهد الجديد لتصبح ام العهد
الجديد ايضا.
3
ولما فرغت الخمر قالت ام يسوع له، ليس عندهم خمر.
العذراء مريم تُعلم يسوع ان ليس لهم خمر. بمعنى ان لأصحاب العرس لم
يبقَ لديهم اي نوع من الخمر. فيسوع يعرف حتما ان الخمر قد فرغت، ولكن
من اجل ان تكون المبادرة – الشفاعة – لأم يسوع اعلمته العذراء مريم ان
ليس لديهم خمر. وكانت
العذراء لبقة جدا اذ لم تطلب من يسوع ان يفعل شيئا انما اعلمته فقط ان
ليس لهم خمر. اما وان الخمر قد فرغت فذلك لسببين، اولا لتتم مشيئة الله
بصنع هذه الآية –المعجزة – والسبب الآخر هو كثرة المدعويين اذ بين
المدعوين رئيس متكأ والذين يرافقونه اذ يبدو انه انسان صاحب نفوذ،
وربما زعيم ذو سلطة، وكذلك ايضا مدعوون من خارج قانا الجليل، كالعذراء
ويسوع وتلاميذه.
4 قال لها يسوع ما لي ولك يا امرأة لم تأتِ ساعتي
بعد.
ما لي ولك يا امرأة. وكأنه يقول للعذراء مريم عليك بما يعنيك ام اهتمي
بشؤونك. واما بقوله لها – يا امرأة – وليس يا امي، ذلك لأن العذراء هي
امنا جميعا. لأن يسوع وهو على الصليب حين رأى امه قال لها يا امرأة
هوذا ابنك وللتلميذ قال هذه امك – يوحنا 19: 26 فاذا صارت العذراء مريم
ام يوحنا – بكلمة يسوع – فصارت اذا امنا جميعا نحن المؤمنين. وقال لها
يسوع ايضا – لم تأت ساعتي بعد – ان الساعة تدل على ظهور مجد يسوع، وتدل
كذلك على ساعة الصلب لأنها ساعة الإنتقال الى المجد، وهنا ايضا نلاحظ
التشابه بين معجزة قانا – والصلب - .
5 قالت امه للخدام
مهما
قال لكم
فافعلوه.
العذراء مريم تتوجه بكلامها هذا الينا وتقول لنا: مهما قال لكم
فافعلوه. لأنه حتما سيعطيكم كل ما تحتاجونه. وانا بشفاعتي سوف اساعدكم
على تحقيق احتياجاتكم، فأم يسوع تعلم بإحساسها ان يسوع لن يرفض لها اي
مطلب بل سيفعل كل شيء لإرضائها واكرامها – أكرم اباك وامك – خروج 20:
12 ، وكان خاضعا لهما –لوقا 2: 51 . فلنفعل حسب اقوال الرب.
بمعنى آخر ان للعذراء مريم دالة الأمومة للرب يسوع. لذلك فهي شفيعتنا
الأولى لديه. كمكا ان هناك وسيط وحيد بين الله والناس وهو الإنسان يسوع
المسيح، 1تيموتاوس 2: 5 - . أما الام العذراء فهي شفيعتنا الأولى لدى يسوع وهناك ايضا شفعاء آخرون كالقديسين والشهداء والأبرار.
6
وكانت ستة اجران من
حجارة موضوعة هناك حسب تطهير اليهود، يسع كل واحد مطرين او ثلاثة.
ان هذه الأجران مصنوعة من حجر. ويسع كل واحد مكيالين
او ثلاثة (المكيال يعادل 45 لترا) فكل جرن يسع اكثر من 90 لترا،
اذا فالجرن كبير جدا. فاذا اخذنا هذه الأجران الستة ووضعناها متلاصقة
الواحد تلو الآخر فنحصل على جرن كبير وبما ان هذا الجرن كبير جدا مصنوع
من الحجر فانه يرمز الى القبر الذي وُضع فيه يسوع. القبر كان منحوتا في
الصخر – متى 27: 60. وكان القبر جديدا – وطاهرا – اذ لم يوضع فيه احد
من قبل، وكذلك الأجران الستة كانت حسب تطهير اليهود.
7 قال لهم يسوع املأوا الأجران ماءً، فملؤها الى فوق.
ان الماء الذي وضعه الخدام في الأجران يرمز الى الخطايا، العصيان،
الشرور الكثيرة التي اقترفتها البشرية حتى طفحت كما الماء في الأجران.
فالخدام يمثلون البشر والماء الراكد ( غير الجاري) يرمز الى الخطيئة،
وقلنا ان الأجران ترمز الى القبر الذي وضع فيه المسيح، لأن المسيح
وبسبب خطايانا الكثيرة صُلب، ومات، ووضع في القبر ليزيل خطايانا
ويغفرها لنا. فيسوع يحول هذا الماء الى خمر الذي يرمز بدوره الى دم
يسوع المسيح. الذي سُفك على الصليب، حين طعنه احد الجنود بحربة في جنبه
فخرج للوقت دم وماء – يوحنا 19: 34. وهذا الدم الذي يغسل البشر من جميع
خطاياهم، وهذا هو الدم الذي نشربه مع جسد ربنا يسوع المسيح في سر
الإفخارستيا، الذي اوصانا به يسوع – ان لم تأكلوا جسد ابن البشر
وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم، يوحنا 6: 53 – فان الخمر التي يصنعها
الإنسان تفرغ وتنضب وتُسكر والسُكر يولد الشر. اما الخمر التي يصنعها
الرب فهي لا تفرغ ولا تنضب وتعطينا الحياة الأبدية.
8 ثم قال لهم استقوا الآن وقدموا الى رئيس المتكأ، فقدموا.
حيث ان الخدّام سمعوا وفعلوا كما قال لهم يسوع أصبحوا خدام المسيح لأن هذه الخمر هي رمز يسوع المسيح
لمغفرة الخطايا، فقد غُفرت خطايا الخدام اولا واخذوا يقدمونها للآخرين
فتُغفر لهم خطاياهم.
9 فلما ذاق رئيس المتكأ الماء المحول خمرا، ولم يكن يعلم من
اين هي، لكن الخدام الذين كانوا قد استقوا الماء علموا، دعا رئيس
المتكأ العريس.
يبدو ان رئيس المتكأ عَلِمَ بان الخمر التي يشربونها قد فرغت لأن
المدعويين كثيرون. فقدموا له الخمر الجديدة، وظن كعادته بان هذه الخمر
ستكون حتما اقل جودة من سابقتها ( لأنهم يقدمون الخمر الجيدة اولا)،
فذاق منها، اي انه شرب قليلا جدا منها ليتذوقها، شاكا بجودتها ولم يعلم
من اين هي ( لكن الخدام علموا) فلاحظ ان هذه الخمر هي الجيدة، فتعجب
ودهش لذا دعا العريس.
10 فقال له: كل انسان يضع الخمر الجيدة اولا. ومتى سكروا
فحينئذٍ الدون. اما انت فقد ابقيت الخمر الجيدة الى الآن.
كل انسان يضع الخمر الجيدة اولا. وهذا ما فعله العريس حسب التقاليد دون
شك، فانه عمل كل شيء لإرضاء المدعويين واكرامهم، خاصة ام يسوع، ويسوع
وتلاميذه. ان كل مكان يحل فيه يسوع يكون المكان مباركا، فان الخمر فرغت
لكثرة المدعويين، ولم يقدم العريس الخمر الدون لأنه لم يكن هناك سكارى
فالمكان مبارك بوجود يسوع فيه. عندها يقوم يسوع ويُنقذ اصحاب العرس من
الإحراج الذي انتابهم من جراء الخمر التي فرغت. ويحول الماء الى خمر
جيدة بشفاعة العذراء مريم امنا جميعا، لها الشكر دائما. ولربنا يسوع
المسيح المجد الى الأبد.
آمين
المرنم عاطف فليب زرقا.