|
رسالة الفصح لسيادة المطران الياس شقور السامي الاحترام لمعاينة النص الاصلي المرسل كملف Word رسالة الفصح المجيد لعام 2006-4-16
إلى إخوتي الكهنة وأخواتي الراهبات والرهبان العاملين في أبرشيتنا العكاوية الجليلية إلى أبنائي العاملين في حقل الكنيسة الملكية الكاثوليكية الجليلية إلى أبنائي وبناتي المؤمنين في أبرشيتنا الغالية المقدسة المسيح قام - المسيح فيما بيننا
أيها الإخوة والأخوات المحبوبون، بعد شهرين من سيامتي الأسقفية خادماً لهذه الأبرشية أتوجه إليكم برسالة الفصح هلموا يا مؤمنون نصافح بعضنا بعضاً. وليكن هذا الفصح هو اليوم الذي فيه تتجلى نعمة الله في قلوبنا وفي عائلاتنا. هذا هو الفصح الأول الذي نعيّد به أبناء العائلة الواحدة، أبناء الجليل. الأب مع الأبناء دون وصاية أو غربة. منذ بداية القرن الماضي لم يقم فينا مَن وُلِد بيننا وعاش وترعرع ونضج معنا. وحمل علم الخدمة.
كثيراً ما شعرنا أننا غرباء في بيتنا. ونسينا أننا أبناء وأحفاد عباقرة العالم الروحيين. نسينا أو جعلونا ننسى أن المسيح هو ابن الجليل. وأن العذراء القديسة هي ابنة الناصرة. أصبحنا نصبو لزيارة مزارات للعذراء القديسة في فرنسا وفي البرتغال وغيرها. آن الأوان أن نستفيق من نعاس طويل ونقول للعالم أن الرسل القديسين هم رجال الجليل، جليلنا. لقد اتهمهم أصحاب السلطة بأنهم جليليون، وازدراهم الرؤساء هازئين: هل يخرج نبي من الجليل؟ أليس من واجبنا نحن أبناء الجليل أن نقول للعالم بأجمعه: من الجليل لا يخرج فقط نبي بل يخرج رب الأنبياء وإلههم. آباؤنا وأجدادنا الرسل القديسون هم الذين حملوا رسالة السلام للعالم، هم الذين بشروا بالخلاص للعالم. هم الذين تحدّوا المفاهيم السائدة آنذاك وما زالت تعاليمهم تدوّي في ضمير الإنسانية. لا يوجد بَعْد فرق بين يهودي وأمميّ، بين رجل وامرأة بين سيد وعبد. لم يعبأوا للمقاومة. فلا عجب مع هذه التعاليم أن يحاول الجميع قتلهم. فظهر ابن طرسوس بعنف لا يُضاهى، يقتل ويبيد كل من اتبع الطريق الجديد "ولم يكن يتوقع وهو في طريقِه الى دمشق ليتابع فِعْلته الإجرامية أن يُسلِم للقتل كل من اتبع طريق رجل الجليل: لم يحلم في أبشع أحلامه أن يلتقيه رجل الجليل الناهض من بين الأموات ويطرحه عن حصانه ويقول له: لماذا تضطهدني؟ فيجيبه شاؤول مَن أنت يا سيّد؟ مَن أنت يا من طَرَحَني عن حصاني؟ مَن أنت يا جبار، يا من هو أقوى مني؟ أنا يسوع الناصري الذي تضطهده. صعب عليك يا شاؤول أن ترفس المهماز! فارتد شاؤول معتنقاً الطريق الجديدة التي خطط أن يبيدها. وأصبح شاؤول بولس رسول الأمم.
وبقيت خبرة طريق دمشق هي المهيمنة على تفكير بولس. المسيح بقي في نظر بولس السيد القوي. الذي تغلبَ ليس فقط على بولس، بل على الموت بقيامته من بين الأموات. ألم يكتب بولس متألقا في حبه للمسيح؟ من يفصلنا عن محبة المسيح؟ لا عمق ولا علو، لا ملائكة ولا سلاطين تفصلنا عن محبته. المسيح قام ولو لم يقم المسيح لكنا ما زلنا في خطايانا. تغلب المسيح على الموت بقيامته، أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا جحيم؟ وترك لنا قبراً فارغاً، وصليباً عارياً.
ليس انتماؤنا إلى الجليل هو انتماء عرضي سطحي، بل هو انتماء حيوي يعطينا هوية ويلقي علينا مسؤولية تاريخية. الويل لنا إن أهملنا رسالتنا واستخفينا بها أو إكتفينا بقشور الإنتماء، الويل لي أنا الشقي إن لم أبشر بالمسيح.
ملايين البشر يحجون وملايين يرغبون أن يزوروا جليلنا ليتقدسوا بترابه ويرتفعوا الى الله بذكرياته. ونحن أبناء الجليل نكاد لا نعرف من هو يسوع المسيح، وما هي تعاليمه، وما هي حياته، وما علاقته بالأماكن المقدسة في بلادنا العريقة؟ ماذا صنع يسوع في الناصرة؟ ما هي علاقته في بحيرة طبريا؟ ماذا صنع في كفرناحوم، في الطابغة على جبل التطويبات؟ أماكن عديدة في بلادنا مثقلة بالذكريات التاريخية من حياة ابن بلدنا يسوع المسيح. أماكن كثيرة في بلادنا نحبها، نحترمها، وقد نسينا ما يربطنا بها من ذكريات ومن دروس ومن إيحاءات. إذا زار أبناؤنا مدينة أريحا أية ذكريات نستعيد لحياتنا الروحية؟ هل تقلصت أريحا الى حبات برتقال؟ إن هناك كنوزا روحية مدفونة في بلادنا؟ إذا سَبَرْنا عمقها نلمس مَن عاش فيها واستوحى من واقعها وعلمّنا من رموزها. بلادنا كتاب تاريخ. وتاريخنا قصة حقيقية. وقصتنا مغروسة في السماء مُجذّرة في الأرض. مسيحنا حَدَثٌ في التاريخ. وإنسان ليس كباقي البشر. هو مرجع للآداب وللأخلاق وللسماويات. مسيحنا هو عنوان ومرجع التاريخ.
مسئوليتنا نحن أبناء الجليل تكمن في الإنجيل، في قراءة قصة يسوع المسيح، قراءتها مراراً وتكراراً. قراءتها للتعرف على صاحب القصة. للسير معه للسير على خطاه. كيف نسير على خطى من لا نعرف؟ وكيف نصبح تلاميذ من نجهل؟
إني أدعو كل عائلة أن تقتني لنفسها عهداً جديداً، إنجيل البشارة السارة وأدعو العائلات الكريمة أن تقرأ الإنجيل أفراداً وجماعات. لا أنتظر من أبنائنا كهنة وعلمانيين أن يصبحوا فلاسفة أو لاهوتيين. انتظر من الجميع ومن كل واحد أن يصبح صديق المسيح المخلص الناهض من بين الأموات. أنتظر يا أحبائي أن يعرف كل رجل وكل امرأة، كل شاب وكل شابة قصة المسيح، تاريخ المسيح، تعاليم المسيح، أمثال المسيح. من يعرف المسيح يصل الى الله. ومن يصل الى الله يسكن الله فيه وهو يسكن في الله.
من يعرف المسيح من إنجيليه في كنيسته يعرف أن المسيح محبة. وأن المحبة الحقيقية هي خدمة دون حساب. هي غفران دون حدود. المحبة صِلـَة ٌ وصلاة. من لا يعرف المسيح،لا يعرف اللهَ في ذاته، ويبقى بعيدا عن الله. يا الله إن قلبنا لن يستريح إلا متى استراح قي قلبك. من لا يعرف المسيح من إنجيله وفي الكنيسة التي تحضنه، كما حضنته أمه القديسة وأعطته للعالم، يُشوه في فهمه صورة المسيح، ويخلق لنفسه مسيحاً وهمياً، ويُقزم المسيح التاريخي إلى فكرة عارية من الحقيقة. أليست هذه حال الكثيرين من أبنائنا؟ يغارون على المسيح، ولا يعرفونه. يتزمتون باسمه لأنهم لا يعلمون تعاليمه وانفتاحه واحترامه للجميع ولكل فرد من أبناء الله المشتتين. مَن لا يعرف المسيح في إنجيله في حضن الكنيسة يجهل أن المسيح أتى ليدعو الخطأة لا الصديقين الى التوبة. يريد خلاص الخاطىء وليس هلاكه. يريد رحمة وليس ذبيحة. يا أبتاه إغفر لهم لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون!
إن ثمرة القيامة لمن يعرف المسيح في الإنجيل في حضن الكنيسة هي تغيير الاتجاه، تجديد النظرة للحياة. قهر الذات الأنانية والميول الجامحة، والتحلي بالتواضع وبالشجاعة العملية. إن القيامة هي دين المتجسد طفلاً في مذود بيت لحم، دين الذي أمرنا أن نسامح أخانا سبعين مرة سبع مرات في اليوم الواحد. ولا يُقدِّم مؤمنٌ قرباناً لله إلا وهو مصافحٌ لأخيه مصالحٌ لغريمه: إذا ذهَبْتَ تـُقرب قربانك وذكرت وأنت على الهيكل أن لأخيك عليك شيئا، أترك قربانك على الهيكل واذهب أولاً صالح أخاك. ثم تعال وقرّب قربانك. وإلا إن أكلت جسد الرب وشربت دمه عن غير استحقاق تأكل دينونة لنفسك. ويكون قربانك منبوذ وصلاتك كريهة في أُذُن الله. تمتعوا كلكم بوليمة الإيمان. تمتعوا كلكم بوفرة الصّلاح.... لا يَبكينَ أحدٌ زلاتهِ. لأن الغفران َ أشرق من القبر لا يخشينَّ الموت أحدٌ. لأن موت المخلص حرَّرنا أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا جحيم؟ قام المسيح وأنتِ صُرعتِ..، قام المسيح والحياة انتظمت هلموّا أيها الأحباء نرنم بصوت واحد جَهُور أيها المسيح الإله إن قبرك ينبوع قيامتنا. بدا حقّاً حاملاً الحياة وأبهى من الفردوس. وأسنى مِن كلّ خدرٍ ملكيّ.
المسيح قام قبل ألفي سنة. هل يقوم اليوم في نفوسنا، في ذواتنا في علاقاتنا العائلية والإجتماعية؟ هل يقوم المسيح في كنيستنا؟ سؤال لكَ، لكِ. أجب عليه أمام الله وأمام ضميرك. ولتحل عليك وعلى الجميع نعمة القيامة وبركة الإيمان.
المسيح قام! حقاً قام!
أخوكم المطران الياس شقور رئيس أساقفة عكا وحيفا والناصرة وسائر الجليل
|