رسالة الفصح لعام 2007
لسيادة المطران الياس شقور السامي الاحترام

 

إلى إخوتي الكهنة والراهبات والرهبان والعلمانيّين المحبوبين في أبرشيّتنا العكّيّة الجليليّة؛

إلى أبنائي العاملين في حقل الكنيسة الملكيّة الكاثوليكيّة الجليليّة؛

نحيّيكم تحيّة الفصح المجيد: المسيح قام. حقًا قام!

 

أيّها الإخوة والأخوات المحبوبون. لقد أصبحت هذه التحيّة لنا إعلانَ إيمان:

 

المسيح قام! المسيح في ما بيننا! فلنصافح بعضُنا بعضًا!

 

وكذلك أصبحت بشارة سارّة لكلّ من ينتظر من الله خلاصًا: المسيح قام! وهي تعبير من القلب عن إيمان ورجاء للمحزونين ولمنكسري القلوب: المسيح قام. لقد أصبحت هذه التحيّة تعبيرًا عن تحدٍّ جسيمٍ للموت: المسيح قام. ولم يبق أحد في القبور! أين شوكتك يا موت؟ المسيح قام وعادت الحياة إلى ملئها. لقد أصبح الصليب، صليبنا، نقطةَ عبور مفتوحةً للجميع. إنْ عطِشَ أحد فيأتي إليّ ويشرب. هل سنسمع النداء ونَعْبُر؟ نَعْبُر إلى العمق؟ أم سنبقى على الشاطئ والسفينة تمخر عُباب البحر نحو الملكوت؟

 المسيح قام! تحيّة أصبحت برهانًا على الانتصار على كافّة أشكال الموت، في حياتنا، وفي كنيستنا، وفي مجتمعنا. من ليس بحاجة إلى القيامة؟ من ليس بحاجة إلى الأمل؟ إلى الخروج من ظلمة الموت وظلاله؟ كلّ الناس، وكلّ عاقل بحاجة إلى التحرّر من نير العبوديّة. وأيّة عبوديّة أسوأ من عبوديّة الخطيئة والكبرياء؟ هذه الأخيرة تشكّل أكبر الخطايا وأعظمها. ففي السماء -كما قالت مريم بواردي- نجد كلّ الخطايا مغفورة، ما عدا خطيئة الكبرياء. وفي جهنّم نجد كلّ الفضائل ما عدا التواضع.

لم يسامح المسيح صالبيه لأجل المسامحة فقط، بل ليُظهِر أهمّيّة رسالته: وهذه تتلخّص بمحبّته وشفقته وعطفه على البعيدين، ولا سيّما صالبيه. فقد أتى ليعيد الصلة بين الله والإنسان. بين الله وكلّ إنسان. بين الإنسان والإنسان: لا فضل ليهوديّ على أمميّ، لرجل على امرأة لسيّد على عبد. فإنّكم جميعًا مدعوّون أن تصبحوا أبناء الله بالتبنّي. ومَن بين البشر أحوج إلى إصلاح العطب مع الله من أولئك الذين رفعوا عقبهم عليه، ورفعوه على الصليب ليفشلوا رسالته، ويجهضوا دعوته؟ لذلك قال مناجيًا أباه السماويّ: "يا أبتاه، اغفر لهم لأنّهم لا يعلمون ماذا يعملون". أمّا نحن، ما زلنا نحاسب بعضنا بعضًا، ونوجّه إصبع الاتّهام والتشهير والتنكيل، بسبب الغبار في عين أخينا، ولا نرى الخشبة التي تعمي أبصارنا. حتّى متى نُقسّي قلوبنا ونُعمي بصائرنا؟ 

المسيح قام! هل قمنا معه حقًّا؟ أم ما زلنا غارقين في قبور أحقادنا، وفي وباء أنانيّتنا، وفي غرور قوّتنا، وفي ذكريات آلامنا؟ متى سنتخلّص من أجداث الموت والخطيئة؟ هل سنبقى في القبر بعد أن تركه المسيح؟ يجب أن نترك القبر فارغًا ونقوم إلى الحياة مع المسيح القائم من بين الأموات.

 

المسيح قام من بين الأموات، ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور.

 هذا هو الفصح الثاني الذي نُعَيّد فيه، نحن أبناء العائلة الواحدة، أبناء أبرشيّة عكا وحيفا والناصرة وسائر الجليل. نعيّد معًا وقد باركنا الله بنعمة الانتعاش الروحيّ والتقارب الاجتماعيّ والألفة العائليّة. وقد تكرّرت المناسبات وظهرت وحدة كهنتنا معًا، ومع أبناء الأبرشيّة في العديد من المواقف، وبخاصّة في الاحتفالات بالقداس الإلهيّ. كنّا معًا جميعًا -كهنة الأبرشيّة، بمشاركة المئات من أبنائنا- في الرسامة الـمَهيبة للكاهن الجديد وللشمامسة الثلاثة الأجلاّء. احتفلنا معًا جميعًا -الكهنة ومئات العلمانيّين- في الكاثدرائيّة في حيفا. وقد غصّت الكنيسة وساحاتها بالمصلّين احتفالاً بالذكرى السنويّة الأولى لرسامة راعٍ للأبرشيّة. لم تشهد حيفا تجمُّعَ كهنة الأبرشيّة الكامل حول هيكل الربّ مع راعي الأبرشيّة برفقة جماهير المصلّين منذ سنوات عديدة، إن لم يكن هذا التجمّع هو الأوّل من نوعه وبكثافته وبروح الألفة والمحبّة والإخاء.

لقد أعطى كهنتنا مثالاً رائعًا مقدسًا للمحبّة الكهنوتيّة. وقد بدأوا بأنفسهم. وشاهد أبناؤنا هذا التجلّي في الوحدة. وزاد إيمانهم بالكهنة الكرام، وبأنفسهم، وبالكنيسة. لقد عادت كنيسة الجليل لتظهر بثوبها الحقيقيّ الناصع: إنّها الأم التي تجمع أبناءها. إنّها هي العنوان والمرجع والمُحافظ والمُدافع عن هُويّتنا.  

وكلمة راعي الأبرشيّة جلجلت في كلّ ضمير حين قال، والكهنة جالسون جمهرة واحدة وجسمًا واحدًا يصغون إلى عظة أخيهم وراعيهم وخادمهم: "يا شعب الله ، يا أبناء هذه الأبرشيّة الكرام، انظروا هؤلاء هم رعاتكم ينظرون إليكم بشغف الآباء المحبّين للأبناء. وأنتم يا كهنة الربّ العليّ، يا رعاة هذه الأبرشيّة العريقة، انظروا هؤلاء هم الكنيسة الحقيقيّة، كنيسة البشر التي نُصبتُم لخدمتها. هذه هي الكرمة المباركة من الله والمقدسة بالمعموديّة والراسخة في القيامة".  

 إنّنا نعيش في أبرشيّتنا احتفالات القيامة. كانت كنيستنا وما زالت بيتَ المسيح. وكانت كنيستنا كنيسة الجليل مكان اللقاء بين الناهض من بين الأموات وأولئك المؤمنين به من آبائنا وأجدادنا الرسل القدّيسين. لم يعد الجليل جليلَ الأمم، بل أصبح جليلَ القيامة. إنّه ليس ههنا -أي في القبر- فقد تركه فارغًا. إنّه قد قام كما سبق وقال وهو يسبقكم إلى الجليل. هناك ترونه. والجليل جليلُنا. والقائم من بين الأموات هو رَجُلُنا ابن الناصرة. وقد دُعينا على اسمها كما دُعي هذا الإله المتجسّد.

لقد آمن أجدادنا معتمدين على شهادة مَن عاش وعاشر المعلم وتبعه إلى الصليب وإلى القبر ومن ثَمّ إلى القيامة. وهؤلاء شهود مباشرون، لا سفسطائيّون متكهّنون من القرن الرابع والخامس أو سائر القرون اللاحقة. هؤلاء الشهود للمسيح أسّسوا الكنيسة على صخرة الإيمان، وعلى الخبرة التاريخيّة، وليسوا من المغامرين في ضمائر الناس ومُضلِّلين للضعفاء بخيالاتهم الفكريّة وأحجوجاتهم الضبابيّة. مهما عصفت الـتُّـرَّهات، وكثرت الاجتهادات، وتوالت التكهّنات، تبقى هباءً في مهبّ الريح. من لا يقبل الحقيقة التاريخيّة كما سردها لنا شهود العيان، فإنّه يشبه صنجًا يرنّ وطبلاً يطنّ. فيذهب صراخه وضجيجه في مهبّ الريح دون رجعة. فالمسيح مات وقام وترك لنا قبرًا فارغًا. شاء مَن شاء، وتمرّد مَن تمرّد. المسيح قام وأنتج لنا كنيسةً حيّةًً تحمل بشارة قيامته منذ ألفي سنة، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها إلى يوم القيامة. 

يقول لوقا الإنجيلي: "دَوّنتُ في كتابي الأوّل [أي الإنجيل]، جميع ما عمل يسوع وعلّـَم من بدء رسالته إلى اليوم الذي ارتفع فيه إلى السماء، بعدما أعطى بالروح القدس وصايا للذين اختارهم رُسُلاً ولهم أظهر نفسه ببراهين كثيرة مدّة أربعين يومًا بعد آلامه".

وأمّا بطرس هامَةُ الرسلِ، فقد كلـّم اليهودَ في الهيكل بشجاعةِ واقتناعِ شاهد العِيان قائلاً: "يسوع هذا أقامه الله ونحن كلّنا شهود على ذلك". وأضاف بطرس: "فليعلم بنو إسرائيل كلّهم عِلْمَ اليقين أنّ الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم ربًّا ومسيحًا". وفي خطبته في الفصل الثالث من أعمال الرسل، يقول بطرس هامَةُ الرسلِ: "يا بني إسرائيل، ما بالكم تتعجّبون ممّا جرى؟!... نعم أنكرتم القدّوس البارّ، وطلبتم العفو عن قاتل، فقتلتم منبع الحياة. ولكنّ الله أقامه من بين الأموات ونحن شهود على ذلك. اعلموا جميعًا، وليعلم شعب إسرائيل كلّه، أن هذا الرجل يقف أمامكم صحيحًا معافى باسم يسوع المسيح الناصريّ الذي صلبتموه أنتم وأقامه الله من بين الأموات. هذا هو الحجر الذي رفضتموه أيّها البنّاؤون فصار رأسَ الزاوية".

  وأمام رؤساء الكهنة أعلن بطرس جليًّا: "إله آبائنا أقام يسوع الذي علّقتموه على خشبة وقتلتموه، ونحن شهود على ما عمل يسوع من الخير في بلاد اليهود وفي أورشليم. وهذا هو الذي صلبوه وقتلوه، ولكن الله أقامه في اليوم الثالث، وأعطاه أن يظهر لا للشعب كله بل للشهود الذين اختارهم الله من قبل، أي لنا نحن الذين أكلوا وشربوا معه بعد قيامته من بين الأموات. وأوصانا أن نبشّر الشعب ونشهد أنّ الله جعله ديّانًا للأحياء والأموات، وله يشهد جميع الأنبياء بأنّ كلّ مَن آمن به ينال باسمه غفران الخطايا".

وإن كانت لنا كلمة نقولها لكلّ مُضلِّلٍ كونه مُضَلَّلاً فهي: "يا أخي، صعب عليك أن ترفس المهماز، فإن المسيح قد مات وقام، إن أردت وإن رفضت. فاترك الفذلكات والانفلاتات العاطفيّة كافّة، وأصغ إلى ما حمله شهود عيان. إنّ المسيح قد قام من بين الأموات، ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور". 

هذه هي وديعة الله بين أيدينا نعلنها بشارةً سارّةً، وطريقًا للخلاص. لم نعُدْ غرباءَ في بيتنا. ولن ننسى أنّنا أبناء وأحفاد عباقرة التاريخ وقادة المسيرة نحو الملكوت. لم ننسَ -ولن ننسى- أنّ مسيحنا هو ابن الناصرة الحبيبة، ومريم والدته الفائقة القداسة هي كذلك ابنة الناصرة.

وأومن أنْ قد آن الأوان كي نستفيق من نعاس طويل ونقول للعالم: إنّ الرسل القدّيسين هم رجال الجليل، جليلنا. لقد اتّهمهم أصحاب السلطة- للتحقير- أنّهم جليليّون. وقد ازدراهم الرؤساء قائلين: "هل يخرج نبيّ من الجليل؟". أليس من واجبنا نحن -أبناء الجليل- أن نقول للعالم أجمع، من الجليل لا يخرج نبيّ فقط. بل يخرج ربّ الأنبياء وإلههم؟".

آباؤنا وأجدادنا الرسل القدّيسون هم الذين حملوا رسالة السلام للعالم. هم الذين بشّروا بالخلاص للعالم. هم الذين تحدَّوا المفاهيم السائدة آنذاك في العالم. وتعاليمهم ما زالت تدوّي في ضمير الإنسانيّة. "لا يوجد بعد فرق بين يهوديّ وأمميّ، بين رجل وامرأة، بين سيّد وعبد". أعلنوا إيمانهم ولم يأبهوا للمقاومة. فلا عجب -مع هذه التعاليم- أن يحاول الجميع قتلهم. إنّهم يُزَوْبِعون في الضمائر الغافلة. ويعصفون في الضمائر المعوجّة. 

فظهر ابن طرسوس بعنف لا يُضاهى، يقتل ليبيد كلّ من اتّبع "الطريق الجديدة". لم يكن يتوقّع -وهو في طريقه إلى دمشق، ليتابع فعلته الإجراميّة- أن يسلم للقتل كلّ من اتّبع طريق رجل الجليل، لم يحلم في أبشع أحلامه ولا في أجمل لحظاته، أن يلتقيه رجل الجليل الناهض من بين الأموات، ويطرحه عن حصانه ويقول له: لماذا تضطهدني؟ فيجيبه شاول: "من أنت يا سيّد؟ من أنت يا من طرحني عن حصاني؟ من أنت يا جبّار، يا من صرعني بقوته؟". أنا يسوع الناصريّ الذي تضطهده. صعبٌ عليك يا شاول أن ترفس المهماز! وارتدّ شاول معتنقًا "الطريق الجديدة" التي خطّط أن يبيدها. وأصبح شاول: بولس رسول الأمم. وبقيت خبرة طريق دمشق هي المُهيمنة على تفكير بولس. المسيح في نظر بولس بقي السيّد القويّ الذي لا يُغْلب. ولم يتغلّب على بولس فحسب، بل كذلك على الموت -بقيامته من بين الأموات-. ألم يكتب بولس متألقًا؟: مَن يفصلنا عن محبّة المسيح؟ لا عمق ولا علوّ ولا ملائكة ولا سلاطين تفصلنا عن محبّته: المسيح قام. ولو لم يقم المسيح لكنّا ما زلنا في خطايانا. تغلّب المسيح على الموت بقيامته: أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا جحيم؟ وترك لنا ابن الناصرة قبرًا فارغًا وصليبًا عاريًا. 

اليوم يوم القيامة، فلنصافح بعضُنا بعضًا بفرح قائلين:

المسيح قام من بين الأموات، ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور.

انتماؤنا إلى مسيحنا هو انتماء حيويّ يرتكز إلى حَدَث تاريخيّ، وعلى شهادة معاصري السيّد المسيح من رسل، وتلاميذ، وقد نقلها إلينا مَن كانوا في البدء شهودَ عِيان وخُدّامًا للكلمة... وذلك لكي نعرف صحّة التعليم الذي تلقيناه. الويل لنا إن أهملنا رسالتنا واستهنّا بها، أو إذا اكتفينا بقشور الانتماء. الويل لي أنا الشقيّ إن لم أبشّر بالمسيح. وبالمسيح القائم من بين الأموات.

 

أخوكم وراعيكم

المطران إلياس شقّور

رئيس أساقفة عكّا وحيفا والناصرة وسائر الجليل