|
رسالة الصوم الأربعيني المقدس شباط 2007
من راعي أبرشية الجليل المفتداة، وخادم نفوس أبنائها، المطران الياس شقور الى عموم أبنائنا في البلاد والمهجر، سلام وبركة ودعاء!
لقد بدأت يا أحبائي، رحلتنا الروحية في موسم الصيام الأربعيني المبارك، نحو الحدث الأكبر والأهم، أعني قيامة المسيح من بين الأموات... فكل عام وأنتم بألف خير! وننتظر اليوم الذي فيه نعلن أن المسيح قد قام!
الصيام ليس هدفا بحد ذاته، ﺇنه وسيلة بالغة الضرورة والأهمية، لأن نكون جديرين ومستحقين للأشتراك في القيامة البهيجة، ولكي نكحل عيوننا بنورها الذي لا يغرب...
لكن هذا الأستحقاق يا أحبائي، لا نناله فقط بواسطة الصوم الجسدي والانقطاع عن بعض المأكولات والمشروبات. هذا جزء هام من الصوم، نحسن جميعنا صنعاً إذا أتممناه حسب ما تُعلمنا الكنيسة المعلمة. لكنه بالتأكيد، وكما ورد في تعاليم ﺁباء الكنيسة على مرّ العصور، ليس هو الجزء الأهم! الأهم في الصوم المقدس، هو الأستعداد الصادق للتوبة، وهو الأمتناع عن الخطيئة والتقرب الى الله والقريب، وتغذية أنفسنا بالصلاة وليس بالخبز فقط.
الصوم الحقيقي هو جهاد روحي للدخول في الباب الضيق الذي وحده يؤدي الى الخلاص. هو صَلبٌ للنزعات الشريرة، والشهوات والرذائل. هو انقلابٌ على الذات التي أبعدت كلا ً منا عن أخيه وعن الله، وبالأحرى هو تخلٍ عن هذه الذات المُقيّدة بالخطيئة، وتقربٌ للسيد المسيح وتعاليمه وصليبه. ﺇنه عمليا فعل محبة، وسيرورة سلام مع الله والناس.
لذلك يا أحبائي، وكما علمنا بولس الرسول العظيم، علينا أن نسلك "سلوكا لائقا...لأن الخلاص أقرب الينا لأن... فلا يزدر الذي لا يأكل من يأكل، ولا يدن الذي لا يأكل من يأكل، لأن الله قد قبله." (رومة ۳:۱٤/۱۳:۱٤-۱۱)
أما السيد المسيح، فيذكرنا قبيل بدء الصيام المقدس، بوجوب المغفرة، أن نغفر للناس زلاتهم، وأن لا نظهر للناس صائمين، ولا نكنز لنا كنوزاً على الأرض، بل في السماء حيث لا يفسد سوس ولا صدأ، وحيث لا ينقب السارقون ولا يسرقون. (متى ٦: ۱٤ –۲۱ )
نعم يا أحبائي! لتكن عيوننا وقلوبنا متجهة نحو السماء، نستمد منها الرحمة والقدرة على المغفرة والمحبة والتوبة. فثمار التوبة الحقيقية ليست من صنع أيادينا، إنها نعمة تأتينا من عند الله، بالقدر الذي نكون صادقين في شعورنا بالندامة، وفي شعورنا بالراحة في حضن الله...
ولا يخفى عليكم، يا إخوتي في يالرب، أن الصوم لا يكتمل إلاّ بركيزتين هامتين أخرييْن: أولهما الصلاة، والثانية، الصدقة... أما بشأن الصلاة، فقد رتب ﺁباء الكنيسة، صلوات طقسية رائعة في مضامينها وألحانها الأستغفارية: صلاة النوم الكبرى التي تقام أيام اﻹثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس. وفي بعض الكنائس تقام رتبة الأقداس السابق تقديسها المعروفة بالبروجيازمينا، أيام الأربعاء. وفي أيام الجمعة من الصوم المقدس، تقام صلاة المدائح لوالدة اﻹله الفائقة القداسة. أما في ﺁحاد الصوم الأربعيني فتكون الليتروجية اﻹلهية للقديس باسيليوس الكبير. أضف الى ذالك قانون التوبة الكبير يوم الخميس الذي يسبق المدائح الأخيرة.
لقد قمت خلال موسم الصيام الكبير الماضي بزيارة عدد من رعايا الأبرشية. ولمست عن كثب مدى محبة واهتمام المؤمنين في القرى والمدن المختلفة بالأشتراك في هذه الصلوات الطقسية. وﺇنه لمن دواعي فرحي أن نواظب جميعنا، صغاراً وكباراً، نساءً ورجالاً، على الأشتراك الفعلي في هذه الصلوات، تنقية للنفوس واستعدادا للتوبة والمغفرة، حتى يكون صومنا مباركاً ومثمراً.
أما الصدقة، فهي تعبير عن المحبة التي نحملها في قلوبنا ﻹخوتنا المحتاجين، الذين هم أيضا إخوة يسوع. نأخذ حتى القليل مما نحن بحاجة اليه، ونساهم في التخفيف من ألم وحاجة إخوتنا، تماماً كما فعلت الأرملة التي أعطت مما هي في عوز اليه. (مر ۱۲: ٤۲-٤٤ ). ولنذكر أيها الأحباء، أننا اذا تصدقنا، فلا يجوز أن تعلم شمالنا ما تصنعه يميننا، حتى تكون صدقتنا في الخفية، كما يريدنا الرب أن نفعل. (متى ٦:۳-٤).
أكرر معايدتي القلبية لكل فرد منكم، مستطمراً عليكم وعلى عائلاتكم، المقيمين والذين في الشتات، بركة ونعمة ومحبة الثالوث الأقدس. ليكن صومكم مباركاً ومقبولاً، رحلة روحيّة نبدأها ونكملها ونحن في حال التوبة والنعمة، استعداداً للولوج في خدر القائم من بين الأموات ظافراً.
محبتي الدائمة لكم
† المطران الياس شقور متروبوليت عكا وحيفا والناصرة وسائر الجليل
|