الرسالة والقارئ في الكنيسة

    إن قراءات الرسائل والإنجيل هي جزء لا يتجزأ من الاجتماع  في الكنيسة للاحتفال بالقداس الإلهي منذ أول العصور المسيحية. يوستينوس الشهيد النابلسي حوالي سنة مئة وخمسة وعشرين ميلادية يعلن "يجتمع جميع سكان المدن والقرى في مكان واحد اليوم في اليوم المُسمَّى يوم الشمس( sun day أي الأحد). ثم نبدأ بقراءة مذكرات الرسل...."

    اليوم تبدأ الرسالة بترتيل البروكيمينون (وهي كلمة يونانية تعني " الذي يسبق") أي مقدمة الرسالة وهي عبارة عن آيتين من المزامير يرتلها أو يتلوها القارئ والشعب على نمط الإنديفونات أي بالتناوب فيتلو القارئ اللازمة فيعيدها الشعب ثم يتلوا القارئ الآية ويعيد الشعب اللازمة؟  هذه المقدمة المدخل إلى فهم سر الكلمة. هذا الكلام الإلهي لا يخاطب العقل وحده بل الإنسان بكليته في عمق أعماق كيانه وقلبه. أنه الروحانية التي علينا أن نكون بها من حيث التوسل أو التضرع أو التوبة أو الشكر أو التسبيح، التي من خلالها ينفتح ذهننا لنفهم الكتب كما حدث مع تلميذي عماوس ( لوقا 24)  وبالتالي يجدر بنا أن تكون هذه الآيات صلاة القلب أثناء إصغائنا للمسيح نفسه في الكتاب القدس.

   لذا فإن القارئ يتلو هذه الآيات وهو متجه نحو الهيكل، رافعاً وقائداً الشعب في دعائه لله. يجدر بالشعب أن يكون واقفاً ومنحني القلب أثنا هذا التضرع.

   ثم يستدير القارئ نحو الشعب ويتلو الرسالة. لهذا التوجه أهمية كبيرة إذ إنه يُعبِّر عن الدور الجديد الذي يتخذه القارئ، فبعد أن كان متجهاً نحو الهيكل ليرفع تضرعات الشعب، يتوجه الآن نحو للشعب ويبلغهم رسالة إنها رسالة موحى بها من الله. وتريد الكنيسة أن تكون رسالة شخصية لكل منا اليوم. تبدأ الرسالة بمخاطبة الجماعة  " يا إخوة" أي يتوجَّه إلينا كإخوة. أجل، يعلن أني مع الجالس بجانبي في المقعد والذي خلفي والذي أمامي لدينا علاقة خاصة فيما بيننا. هذه العلاقة هي علاقة أخوة. أي إننا جميع من اعتمدنا بالمسيح قد لبسنا المسيح وأصبحنا إخوة ليسوع وأعضاء جسده. هذه الأخوة مهمة لدرجة أن السيِّد المسيح يطلب منا "إذا كان لأخيك عليك شيئاً فاترك قربانك واذهب وتصالح مع أخيك".  من هو أخي؟ أنظر حولك هؤلاء هم إخوتك، الذين التزامك تجاههم ومصالحتك الصادقة معهم، هو شرط ضروري لمشاركتك بتناول جسد المسيح.

    أما الرسالة التي ينقلها القارئ للجماعة فهي من القسم الثاني، "الرسولي " من العهد الجديد. إنها ليست رسالة قديمة بل تتجدد لتحصل على معناها الليتورجي والكياني "اليوم"، لتبلغ أذان المؤمنين ووجدانهم. (يتبع)

   إنه حقاً لشرف عظيم أن يتخذ شخص ما الكتب المقدسة مثل الرسائل إلى يديه ويتلوها على الناس في الكنيسة. صوته يجب أن يكون واضحاً. عبارته يجب أن تسمع وبإلقاء جيد. على القارئ أن يعي أن الله ينقل بواسطته الرسالة إلى المؤمنين. إنها الكلمة العظمى التي لا يمكن تصورها. إنها الكلمات التي تجسِّد الحياة والقوة داخلها. وهي البذور السماوية التي يريد الله زرعها في قلوب الناس.

      لذا على القارئ أن يستعد مسبقاً لقراءة الرسالة، حتى لا يخطئ في القراءة فيتغير المعنى والرسالة المراد توصيلها، فشتان ما بين "المضطَهِدين" "والمضطهَدين" أو "المُخلَّص و المُخلِِّص". إن مثل هذه الأخطاء هي أكثر من مجرد تغيير فتحة أو كسرة. إنها أخطاء لاهوتية أيضاً تمس بجوهر عقيدتنا مما يفسد روح الصلاة. يروى أن ناصيف اليازجي وهو المنقح اللغوي للترجمة العربية للكتاب القدس، كان يرفض قراءة الرسالة في الكنيسة إذا طُلِب منه ذلك أثناء القداس قائلاً: أنا لم أستعد اليوم لقراءة الرسالة". علَّنا نقتدي به، فلا يتلو أحدٌ الرسالة دون التحضير لها أولاً لغوياً ثم روحياً بقراءة شرح للرسالة أو تأمل فيها.

ينبغي أن تكون القراءة دون تسرع أو تداخل الجمل مع بعضها، و نطق العبارات بوضوح. …كما ولا ينبغي لأحد أن يشوه المعنى بالترتيل غير المتزن على حساب صيحة مفرطة أو بشكل غير لائق، من أجل "شوفوني يا ناس" وإظهار جمال صوته. فهو ليس بمسرح لاستعراض الأصوات على العكس من ذلك، ينبغي للمرء أن يقرأ بصوت طبيعي أو يرتل بوضوح، وبشكل مهيب، حتى تصل الرسالة على السواء إلى الآذن والضمير، فنعيش الكلمات في حضرة الله.

  الصفحة الرئيسية