الى أين انت منطلق يا رب....؟

 كان يسير في روما فارغ الطول، مفروق الجسم، مرفوع الجبين، ملتفاً بثياب بالية، في عينيه أساً وكمد وعلى وجهه الذي لوّحته شمس بحيرة طبريا بعصبية الجليل تجعدات. كانت يمينه تقبض على عصا غليظة ويسراه تعرك بعصبية وشاحه. انه الصياد الكبير، انه بطرس الرسول الذي جاء الى روما العظيمة ملتقى رواد العلم والفن.... واللذة، معسكر جيش من عبيد هم متاع حفنة من النبلاء والأثرياء، جاء ليهزم جوبيتر وليعيده الى محرابه في الكابيتول ويضع مكانه يسوع الناصري ويفحم فلاسفة العصر وحكمائه ويغلق كتبهم ويضع بين ايديهم الإنجيل. لم تكن عدّته في تلك المهمة الشاقة سوى يد الرب وايمان راسخ وشجاعة متأججة وحماس مندفع ورجاء وطيد.

دوّى صوته في الترستيفري – حي الفقراء والمستعبدين – معلناً دستور البشرية الجديد بحجة دامغة وبيان ساحر ومنطق سديد. وكان روح الرب المقيم فيه هو المتكلم، فاخترق صوته الأسماع وتغلغل في شفاف القلوب. مُعّرف ذاك الشعب الحقير ان له كيانا وانه مخلوق على صورة الله مثل نيرون الإمبراطور وبترون ملك الأناقة وفنيسيوس وفاسبوس وكوجلا النبلاء. فكان الإنقلاب – انقلب حي البؤساء الثائرين على اوضاعهم الشقية الى حظيرة خراف وديعة حبورة متواضعة ومُحبة – فانتبذت من بينهم الخلافات والخصومات والمشاجرات وربطتهم وشائج المحبة الصادقة والإلفة البريئة والمساعدة المتبادلة، كما اندثرت من افواههم الشتائم والقبائح، وتنقّت حياتهم من المنكر والفحش. فخشى ذوو السلطات استفحال الأمر واندلاع ثورة تحررية جامحة شبيهة بثورة سبارتاكوس التي كلفت روما غالياً قبل قرن واحد، فآثاروها زوبعة قاطعة على هؤلاء المتجددين واعملوا فيهم التعذيب والقتيل والسجن. فأصبحت بيوت كثيرة مسرحا لأبشع الجرائم من اراقة دماء وهتك اعراض وسلب ونهب. مع ذلك ما برحت جذوة الإيمان متّقدة ومباديء الشريعة الجديدة راسخة بل وفي انتشار متواصل. فاتسع عمل بطرس الرسول – فاضطر الى التجول الحذر المستمر بين الأكواخ والمزارع والكهوف يعزي ويرشد ويعلم ويشجع ويعصب الكلوم ويوزع الطعام والشراب والكساء التي كان يجود بها الأغنياء المنضمون سرّاً الى هذا الدين الجديد ولم تطلهم يد الأثمة السفاحين. كم بات على الطوى وكم قضى ليالي مسهداً مصلياً من اجل خراف المسيح.

ازداد الإضطهاد عنفاً فآلى الإمبراطور على نفسه ابادة هذه الشرذمة من المجانين الشروريين الذين نبذوا آلهة روما وعبادتها وفروضها فابتكر الأساليب المختلفة للتعذيب والتمثيل فرفع نيرون الطاغية اجسادهم على الصلبان واضرم فيها النيران لتنير حدائقه حيث اقام الولائم لعظمائه وندمائه، اما كالبقولا المجنون فقد جعل من ملاعب المدينة موائد للسباع قُدمت لها عليها لحومهم.

لم يكن القديس بطرس بمنجاة من المطاردة فقد كانت الأحياء مبثوثة في كل مكان لتقبض عليه وتورده حتفه. وكانت يد الرب تنقذه دائما من تلك الشباك المنصوبة. وكم كان يتألم من مشاهدته ابنائه يسقطون بالعشرات يومياً شهداء الديانة المسيحية. فاضطر بطرس الى ملازمة الكهوف مع ابنائه يحنو عليهم ويواسيهم ويقوي عزائمهم.

لم ترق كثيراً هذه الحال لبطرس ولم يشأ ان يدفن في دياميس روما حيويته بل اراد ان يحطم الأغلال وينطلق الى اقصى المعمورة للتبشير بكلمة الخلاص. فأقنع نفسه على مغادرة الميدان الروماني والذهاب الى ميادين اخرى تتوفر فيها حرية الفكر والقول والعمل واخذ يتحين الفرص ليضع خطته موضع التنفيذ. فحانت هذه الفرصة فانسلّ من الكهف في غفلة من الجماعة مصطحباً شاباً متين البنية مُلماً بطرق روما وشعاب الجبال. خرج من روما في حالكة الليل. وبعد ان ابتعد قليلاً وقف والتفت خلفه فرأى الظلمات تكتنف المدينة والقمر يطل من الأفق هلالاً باهتاً. فهاجت خواطره، فقال – وداعا روما الصاخبة بملاهيها وملذاتها، المتعبدّة للحضارة الزائفة الموغلة في التعسف والظلم، المستهترة بالقيم الأدبية والروحية، المتشحة بالدياجير القاتمة. لقد اسمعتك كلام الحق والخلاص فأغلقت كبدكِ. ولكن هذا القمر الوليد سيترعرع وستغمرك اضواؤه اللجينية وستعقبه شمس وضّاحة تبدد قتامك عما قليل ستقوّض معابدك على رؤوس جوبتير وباكوس وعشتاروت وستموت الأهازيج السمجة في حلوق أبنائك وستنطلق عوضاً عنها ومن كل ركن فيك تسابيح الإله الحقيقي. وشعوبك هذه المختلفة الأجناس والمشارب ستنصهر في بوتقة واحدة هي بوتقة المسيحية. وداعاً الى أجلٍ قصير!!! – أعود اليك وقد هدأت زوبعتك العتية... وانت ايتها الخراف المسكينة التي تتجمع بعضها الى بعض كتلاً متلاصقة في جحور مظلمة رطبة هرباً من الذئاب، إني اترككِ الى مصير مجهول تحت رعاية السيد له المجد الذي من اجله تحتملين ما ستحتملين والى ان اعود اليك سالما من اشداق الكواسر؟ ... فالى اللقاء!! الى اللقاء!!... وسالت من مآقي الشيخ عبرات حارّة وشعر بقشعريرة في جسمه وبسحابة داكنة مروعة تزحف الى نفسه وتنفره عليها فانقبض صدره وعصر الكمد قلبه فجلس على حجر واعتمد رأسه بين يديه... وغاص في تفكير عميق – فكر بأولئك المساكين المطاردين الذين أووا الى مغاور روما ورآهم مفترشين الأرض الرطبة اللزجة حلقات حلقات يصغون الى وعظ المتقدمين منهم أمثال أنيست وبرونيوس وكلافيوس وسمعهم ينشدون ترانيم الرب التي علمهم اياها في الكتب. ثم فكّر بزملائه الرسل المنتشرين في اليهودية والسامرة والجليل يعلمون ويكسبون العديد من اليهود والوثن الى انجيل المسيح فثلج صدره... نفض همومه واتراحه ونهض وسار الى الأمام.

لم يسر بعيداً حتى لمع امامه ضوء خلب كسف الشمس. فتسمّرت اقدام الرسول ورفيقه وارتاعا. اما بطرس فتصبب العرق من جبينه وارتجفت اعضائه فسقط على الأرض واهن القوى مسلوب الإرادة. فتطلع في قلب الضوء بعينين زائغتين فأبصر معلمه الإلهي السيد المسيح قائما والحزن مرتسم على مُحيّاه فهتف وقال

"ربي والهي!... الى اين انت منطلق؟"

فأجاب الرب "الى روما، يا ابن يونا، لأُصلب ثانية!..."

 فشعر بطرس كأن خنجراً حاداً اخترق احشائه وبدموع الخجل والندم تنهمر من عينيه وبجفاف في حلقه ويبوسة في لسانه حتى عجز عن النطق بحرف واحد. فتأوه وحرك رأسه الأشيب وعصر راحتيه كمداً... بقي برهة مكباً على الأرض مشلول الحركة وأخيرا رفع رأسه فلم يرى يسوع ففهم ، فنهض وكر راجعا الى روما، هنالك حيث قضى نحبه مصلوباً لكن رأسه الى الاسفل تحقيقاً لرغبته، لأنه لم يجد ذاته مستحقاً أن يصلب كسيده رأسه الى الأعلى كما قال.

                         النص بقلم ألأب ميخائيل