عيد الام عيد كنسي واجتماعي

لقد عبر عيد الأم ثلاث فترات تاريخية ذات صفات مميزة لكل منها. المرحلة الأولى عيد الأمومة في بريطانيا، المرحلة الثانية الصراع لإعلان عيد الأم في الولايات المتحدة الأمريكية. والمرحلة الثالثة انتشاره في العالم وتحويله إلى وسيلة لزيادة المبيعات.
أحد الأمومة في بريطانيا:
لم يبدأ أحد الأمومة كاحتفال مدني، بل كان جزءًا من التقويم الكنسي في بريطانية. خلال القرن السادس عشر، في الأحد الرابع من الصوم الكبير، ذهب الناس إلى "الكنيسة الأم" للمشاركة في الخدم الطقسية  التي عقدت في ذلك الأحد. فذهبوا إما إلى الكنيسة المحلية حيث قبلوا سر العماد، أو الى أقرب كاتدرائية لمكان ولادتهم. وغالبًا ما كانت هذه المناسبة  هي المرة الوحيدة التي تمكنت الأسر أن تجمع بكاملها معا، إذ تعذرت الاجتماعات بسبب  تضارب أوقات وظروف  العمل. وكانت رسالة الأحد  الرابع من الصوم الكبير تعطي مكانة خاصة لموضوع حب الأم "أَمَّا أُورشليمُ العُلْيا فحُرَّةٌ، وَهِيَ أُمُّنا" (غلاطية 4 :26). وفي فترة لاحقة أصبح هذا اليوم هو اليوم الوحيد الذي سُمح به  للخدم في البيوت، خاصة الأطفال منهم، أن يذهبوا ليزوروا أمهاتهم وأقاربهم . وبذلك تحول هذا الأحد مناسبة للتجمع العائلي . وفي مسيرة العودة قطف الأشخاص وروداً بريّة ليقدموها للكنيسة الأم، وللأم الطبيعية. كما وارتبط هذا اليوم بالطعام فالإنجيل  الذي تلي في الكنائس،  تكلّم عن معجزة تكثير الخمسة أرغفة والسمكتين لإطعام خمسة آلاف شخص. فسمحت الكنيسة كسر القطاعة  وكسر الصوم في هذا اليوم. ولذلك خبزوا أيضاً "كعكة الأم" وقدموها لأمهاتهم.  

عيد الأم في الولايات المتحدة :  

قامت  آن جارفيس Ann Jarvis سنة 1858  بالعمل على تحسين المرافق الصحية من خلال ما وصفته "يوم عمل الأم". ونظمت نساءً، أثناء  الحرب الأهلية، للعمل من أجل تحسين الظروف الصحية لكلا الجانبين.   بعد الحرب الأهلية الأمريكية قامت ناشطة اجتماعية  تدعى جوليا وورد هاو Julia Ward Howe  بنشر يوم الأمومة البريطاني، بقصد توحيد النساء ضد الحرب. في سنة 1870 كتبت وثيقة إعلان "عيد الأم" وأوضحت أنه دعوة للسلام ونزع السلاح. إلا أنها فشلت  في محاولتها للحصول على اعتراف رسمي لعيد الأم من أجل السلام.   عندما توفيت آن جارفيس عام 1905، قامت ابنتها آنا جارفيس، بحملة للقيام  بإحياء ذكرى يوم الأم تكريمًا لأمها. في عام 1907  أحضرت 500 قرنفلة بيضاء إلى الكنيسة التي كانت تصلي فيها والدتها، كنيسة القديس اندراوس في مدينة جرافتون بولاية غرب فرجينيا، ووزعت قرنفلة لكل أم في المصلين. واحتفل بأول عيد للأم في العاشر من أيار 1908 ، اختارت آنا يوم الأحد ليكون عيد الأم، لأنها قصدت أن يكون ليوم ذكرى الأم  بعدًا مقدسًا. وفي الثامن من أيار 1914 ، وافق الكونغرس الأمريكي على قانون تعيين  الأحد الثاني من أيار عيد الأم . وانتشر في كل بلدان العالم، لكن بمواعيد مختلفة.  

معارضة تحويل العيد إلى سلعة تجارية:  

بعد 9 سنوات من الاحتفال الأول بعيد الأم ، تفشى التسويق الأمريكي  للعيد  حتى أن آنا جارفيس نفسها أصبحت المعارضة الرئيسية للمسخ الذي تحول إليه عيد الأم. مع  ملاحظتها إلى أي مدى  يتم الاستغلال التجاري للعيد ، غضبت آنا وكرست بقية حياتها وأموالها للانتقادات الصريحة والعلنية ضد ما اعتبرته إساءة لاستعمال الاحتفال. وفي عام 1948 بينما كانت تقوم باحتجاج على تشويه عيد الأم، ألقي القبض عليها بتهمة تعكير السلام. ووصل استياؤها من استغلال العيد لدرجة قولها " أتمنى لو لم أبدأ بهذا اليوم لأنه أصبح خارج نطاق السيطرة".  
ليتنا نتعامل مع الأم وعيدها بقدسية، فنرجع للعيد جذوره ومعانيه الكنسية والاجتماعية. فنقدم للأم الاحترام  365 يوم في السنة، ونتوِّجه بعيد الأم بإعمال من صنع أيدينا. فلسان حال الأمهات يقول لنا مع وديع الصافي " قولو لهم نظرة بتكفينا"
 

ناصر شقور